النجم الذي هوى: صعود وهبوط بول جاسكوين

رجل ذو ملامح إنجليزية مألوفة  يبدو على وجهه كأنه قارب السبعين من أثر إدمان شرب الخمر، تتابعه العيون أينما مشى، ابتسامات مكسورة يشوبها الشفقة، وجوه متجهمة يعلوها التذمر، نظرات متشككة يتلوها تعابير الدهشة… جازا هل هذا أنت؟!

بعض من تلك العيون كانت تمني نفسها بأن تلتقي بعيني جازا قديماً .. بول جاسكوين، أمهر من أنجبته ملاعب المملكة، أمهرهم على الإطلاق، أما الآن فهم فقط يريدون تذكير أنفسهم بضرورة المحافظة على ما يملكون حتى لا يصبحوا مثل “جازا”، و لكن لا أحد يهتم حقاً بأمره.

كل ذلك لا يوجع جاسكوين، ما يوجع جاسكوين فعلاً هم من يهتمون لأمره حقا، فقد عرف جازا حسرة فقدان عزيز وهو مازال طفلا.. طفلا في العاشرة يشهد بعينيه وفاة الشقيق الأصغر لصديقه في حادث مروري بشع، الأمر الذي لم يتحمله الطفل الذي نشأ نشأة مضطربة وسط أسرة فقيرة تنتقل من مكان إلى آخر، أصيب بول بنوبات تشنج وهلاوس واستلزم الأمر علاجه نفسيا، إلا أن أباه أوقف هذا العلاج لعدم اقتناعه به، ربما هنا بدأت أسطورة بول جاسكوين، أسطورة النجم، النجم الذي هوى.

لم أتوقع شيئاً في حياتي، ولن أفعل مطلقا.

لقد أدركت منذ صغري أن تلك الحياة لا قيمة لها.. قد يسلب منك كل شيء على يد سائق طائش أو لص ضاقت عليه حياته، كل من تشبث بهذه الحياة أدارت لها ظهره، كل شيء يحدث أمامي يحمل معنى الموت في باطنه، لقد فعلت كل شيء يلهيني عن تلك الحياة، تكمن دائما المشكلة في معرفة الوقت الصحيح لتقول “لا”، أما أنا لم أملك ما يدفعني لقول لا في وجه شيء، أدمنت كل شيء يجعلني أبتعد عن الجميع كي لا أشاهد الموت في أعينهم، لم أتخطى الخامسة عشر وكنت قد سرقت من أجل لعب ألعاب الفيديو، لم أستطع أن أتخلص من تلك الهلاوس إلا مع شيء وحيد .. كرة القدم.

هل تحدثت مع الكرة من قبل؟ أنا فعلت.. هل شكوت لها ظلم الدنيا وضياع النفس؟ أنا فعلت.
كنت أركل الكرة بقلبي، كنت أشعر أني مازلت أحيا كبقية الخلق وأنا ألعب الكرة، الكرة لم تسألني عن أبي ماذا يعمل ولا لماذا أبدو شاردا طول الوقت، لم تصنفني الكرة كما فعل الناس، أنستني الكرة مشاهد الموت والفقر وقلة الحيلة، تفوقت على الجميع لأني لعبت الكرة بقلب محب وبقدم رجل يتعلق بأمله الأخير في حياة كالآخرين، خذلت الجميع، خذلني الجميع، ولم تخذلني الكرة.

شيء واحد كنت أفعله ولا أشعر بالقلق حيال الموت… كرة القدم.

قرر بول جاسكوين ممارسة الكرة بشكل احترافي يضمن له تحمل أسرته ماليا، كان ذلك في عامه السادس عشر عندما انضم إلى نيو كاسل، لعب جازا لنيوكاسل خمسة مواسم تدرج فيها من فريق الشباب للعب احتياطيا ثم أصبح من أهم عناصر الفرقة، وأصبح مطلبا أساسيا للسير رجل مانشستر صاحب العين الخبيرة، ورغم أن جازا كان يفضل ليفربول ولكن الأخير لم يعرض عليه اللعب، فاتفق مع السير على الانضمام لفريقه، إلا ان تدخل توتنام عن طريق شراء منزل خاص لعائلة جاسكوين أنهى الأمر لصالحهم.

تألق جازا في وايت هارت لين، وصولا للموسم الأهم في حياة جاسكوين موسم 90، والذي احتل فيه سيبرز المركز الثالث خلف المتصدر ليفربول بـ 16 نقطة، وحصل بول جاسكوين على الشخصية الرياضية للعام في استفتاء بي بي سي. أصيب جازا بقطع في الرباط الصليبي في مباراة نهائي الكأس رغم أنه كان قد اتفق على كل بنود الانتقال إلى لاتسيو، وكان الفريق الإيطالي قد جهز عقد جازا بعد أن تألق خلال كأس العالم 1990 في إيطاليا، فمهارته لا يُختلف عليها، كان يمر من الجميع رغم جسده اليافع.. يرسل المدافعين إلى حيث لا يرغبون، يرفع الكرة من فوق رأس المدافع ليلتفت المدافع ويرى الكرة بحوزة جازا مرة أخرى، يسدد بقوة من خارج الصندوق ويسدد بلطف من أمام الحارس، يمر من الحارس إذا أراد أو يضعها حتى من فوقه.

4 يوليو 1990

اليوم فقط أشعر بأنني إنجليزي، الكل يأمل أن تساعدهم قدم جازا في عبور الألمان نحو نهائي كأس العالم، سأفعلها، أعرف ذلك فأنا لم تخذلني الكرة، كان يراني الجميع غريب الأطوار، وبفضل تلك المستديرة يتغنون الآن باسمي، أولد من جديد تماما، لا داعي لكثرة التفكير، فلا شيء جعلني أفضل من الجميع إلا طيشي المعتاد.

الكرة بحوزتي، أعبر من أولاف ثون ثم توماس هاسلر ولكن الكرة تتجاوز حد سرعتي قليلاً متجهه نحو توماس برتولد، مددت رجلي كي ألحق بالكرة ولكن بعد فوات الأوان، لم تلمس قدمي الكرة، فقط ارتطمت بقدم توماس برتولد الذي ارتمي صارخاً من الألم، لا أستطيع التفكير فأنا أحمل بطاقة صفراء من مباراة بلجيكا، أشيح بنظري عن الحكم، أتمنى لو يتوقف العالم وأعود للوراء ثواني، ولكنها مجرد ثواني أخرى ووجدت الحكم البرازيلي شاهرا الكارت الأصفر في وجهي، ياالله هل سأظل مغفل دائماً، إنها الدقيقة المائة من عمر المباراة، حتى وإن فزنا فأنا لن ألعب النهائي، لماذا دائما تعاندني الظروف.

“لم أر احداً في حياتي من قبل أصبح بطلاً قوميا عن طريق البكاء، عظيم فلتنتحب.. سينتحب العالم معك”

سلمان رشدي في جريدة اندبندنت عن دموع جاسكوين

تأجل انضمام جازا إلى لاتسيو موسم كامل بسبب الإصابات، لكي يتم أخيرا في موسم 92 ولثلاثة مواسم لا يُذكر فيهم شيء سوى إصابات متكررة وهدف تعادل في ديربي العاصمة في الثواني الأخيرة، والكثير من المشاكل مع الصحافة الإيطالية، وحياة طائشة مليئة بالخمر في العاصمة الإيطالية، ووزن زائد.

يرحل عن لاتسيو وهو لم يحرز سوى ستة أهداف فقط إلى رينجرز الإسكتلندي، ليعود للتألق من جديد في 3 مواسم، منها موسمان استثنائيان عاد فيهما بريق جاسكوين يلمع من جديد، وموسم أخير كانت به كالعادة الكثير من المشاكل والخمر أيضا، ليعود جاسكوين لإنجلترا 6 مواسم أخرى يتنقل بين ميدلسبرة وإيفرتون وبيرنلي بلا إنجاز يذكر، فقط الكثير من الحكايات الغريبه التي يخلفها وراءه دائما.

“كنت مثلا أشرب يوم السبت ثم الأحد والاثنين وأتدرب يوم الثلاثاء، فلا أبلي حسنا، فاضطر للشرب في نفس اليوم كي يمر سريعا”

أدمن بول الكحول بصورة مدمرة تماما، اعتدى على زوجته قبل أن ينفصلا، أودع في أكثر من مستشفى للرعاية الصحية، أعلن إفلاسه بعد مشاكل كثيرة مع الضرائب، تعرض لكسر بالرقبة وكان على وشك الموت، دائما ما ارتبط اسمه بالكثير من الحكايات والمشكلات والأخبار.

هل تعرف ماذا يحدث عندما تنفجر النجوم؟ تتحول لأجزاء صغيرة وتتناثر في الفضاء، تكون لامعة أكثر من أي وقت وأكثر من أي نجم موجود، ولكن لفترة وجيزة جدا قبل أن تنطفئ إلى الأبد، ربما كان يجب علي أن أحاول ألا أنفجر ولكني فعلت كل ما بوسعي كي أنفجر، كان يجب علي أن أثبت أكثر بين النجوم ولكني لم أكن أحلم أني سأحيا كل هذا، لم آبه بالموت الذي تطاردني هلاوسه صغيرا، فرد لي الدين ولم يأبه بي هو الآخر، لم أحسب لهذا اليوم مطلقاً، لم أكن أعرف أني سأكون النجم الذي هوى، كان علي أن أتعلم أن أقول “لا” أحياناً.

عذراً سيدي و لكني لا أفهم شيئاً مما تقول، هل تريد كأساً أخرى؟

نعم بالطبع، فأنا لا أقول لا.

بول جاسكوين هو جورج بيست ولكن بلا عقل
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s