جوارديولا.. ما خفي من ظلال الفيلسوف

على طاولة تتسع لشخصين بمطعم “درولما” بفندق “ماجستيك” في قلب مدينة برشلونة، اجتمع خوان لابورتا بقائد فريق أحلامه ومدرب فريقه الرديف بيب جوارديولا من أجل التشاور حول مستقبل بويول ورفاقه تحت إمرة فرانك ريكارد. لابد أن نصف زجاجة من النبيذ كانت كافية لكي تجعل لابورتا الذي نَحَى “سبيشال وان” من قائمة خياراته يصر على قراره بعد تحذير مساعده…“أنت على وشك الانتحار ما لم تغير رأيك”.

-“بيب… أتقبل أن تحل محل ريكارد؟”

-“وهل تملك الشجاعة الكافية للقيام بهذا الأمر؟”

-“أخبرني فقط هل ستقبل أم لا؟”

-“سأقبل. وسأفوز لك بكل شيء!”.

صدَقَ جوارديولا، فصافرة ديفيد بوربالان الذي أدار مباراته الأولى أمام نومانسيا أعطت الإذن للتاريخ لكي يمسك بقلمه وينقش على صفحاته معلناً عن بداية حقبة جديدة من كرة القدم.

الشغف… لقد ولد ليكون مدرباً

أكثرثلاثة مدربين تأثر جوارديولا بأفكارهم هم مارسبلو بيلسا، أرسين فينجر وخوان مانويل ليو. الأول والثاني لن يكون من الصعب على متابعي الكرة تمييزهم، لكن من هو ليو ذاك؟

ليو هو مدرب إسباني ليس مشهورا كفاية، بدأت علاقته مع بيب عام 1998 بعد مباراة برشلونة وريال أوفييدو -الفريق الذي كان ليو يدربه- حيث تناقشا بعد صافرة النهاية حول طريقة لعب الفريقين وأصبحا صديقين منذ ذلك الوقت.

حين شعر جوارديولا بأن عمره في الملاعب اقترب من نهايته في أواخر 2005، أراد أن ينتهز الفرصة ويعمل تحت إدارة أحد هؤلاء المدربين الثلاثة.

الأهلي القطري لم يكن آخر محطة في مسيرة بيب كلاعب، فهناك ستة أشهر قضاهم في المكسيك ساعدوه على تطوير فلسفته ومهدّوا له بداية الطريق في عالم التدريب.

هذه الفترة بدأت عند نهاية عقده في قطر، حينما كان ليو يتولى المهام الفنية لفريق دورادوس دي سينالوا المكسيكي، فسأله إذا كان يريد أن يوقع عقداً مع الفريق لمدة قصيرة، وافق بيب، وبالرغم من أن مشاركاته مع الفريق لم تتعدّ العشر مباريات إلا أن تأثيره هناك كان كبيراً.

ماركو مندوزا لاعب وسط دورادوس وزميل بيب حينها قال عن الفترة التي قضاها معه: “دائما ما أنظر إلى حياتي المهنية وأرى أنها تنقسم إلى ما قبل وما بعد اللعب مع جوارديولا، مجرد رؤيته في الملعب والاستماع إليه ولنصائحه كان يجعلني أفضل، تعلّمت منه الكثير”.

سباستيان أبرو المهاجم الأوروجوياني للفريق المكسيكي روى أن جوارديولا كان يقضي معه الكثير من الوقت بعد أن ينتهي المران ليدربه على كيفية تمركزه داخل الملعب.

أبرو قال في حوار مع قناة ESPN: “لقد كنت أتسلّم الكرة بطريقة لا تعجبه، وبمجرد أن يراني أقوم بها ينبهني إلى ان هذه الطريقة تجعلني أخسر 3 ثواني. اتفق معي ذات يوم أن يعلمني طريقته بعد نهاية التدريب وقال لي: طالما علّمت روماريو كيف يقوم باستلام الكرة بشكل صحيح، فبالتأكيد سأجعلك تتقنها”.

أما ليو -الذي يعمل الآن كمساعد في إشبيلية- فقد كانت هذه كلماته حول أيام جوارديولا في المكسيك : “كنت أعلم أنه جاء إلى هنا ليبدأ مسيرته كمدرب، لقد كان لاعباً باسمه في قائمة الفريق فقط، بالطبع أنا محظوظ لأنني قمت بتدريبه، إنه أفضل لاعب عملت معه، لقد ولد ليكون مدرباً”.

55c475cc6993c-r_1438964846997-0-12-989-521



كيف يكون الهدف الأمثل في نظر جوارديولا؟

في المكسيك كان جوارديولا يتقاسم غرفته مع صانع ألعاب أرجنتيني يدعى أنخيل موراليس، وفي إحدى الليالي تجاذبا أطراف الحديث حتى انتهى بهم الأمر إلى النقاش حول الهدف الأمثل في نظر الإسباني. يقول موراليس إن خلاصة فلسفة بيب يمكن أن تتلخص في رؤيته حول طريقة تسجيل هذا الهدف.

موراليس يتحدث: “قال لي ستكون هجمة يشترك فيها ال 11 لاعب الموجودون على أرضية الملعب، من أول حارس المرمى حتى رأس الحربة”

“كل لاعب يلمس الكرة مرة واحدة فقط، إحدى عشرة لمسة وفي النهاية… هدف!”

“قلت له هذا مستحيل، أنا أرجنتيني، أحب أن ألمس الكرة 3 أو 4 مرات ومن ثم أراوغ، لكن بعد سنواتٍ قليلة رأيت أهداف الفرق التي يدربها. إنها كرة القدم كما يراها جوارديولا”

لاحظ هدف ميسي أمام ريال سوسيداد، ربما اقترب من أن يكون مثالياً.


ما هي صفات المدرب الجيد؟ كيف يشعر بعد الفوز أو الخسارة؟  ما الذي يغضبه بشدة؟ إليكم ما رواه جوراديولا بنفسه لجيم بالاجييه في كتاب “طرق أخرى للفوز”.

“منح الثقة للاعبيك والإخلاص في عملك هي الركائز الأساسية للمدرب الجيد، يجب أن يؤمن لاعبوك بما تقوم به، يجب أن تتحدث إليهم بصدق وتخبرهم بما يدور في عقلك دون خداع ، ذات مرة خسرنا مباراة أمام اسبانيول 2-1. بعد أسبوعين، أخبرت اللاعبين بأنني أخطأت في إدارة المباراة”

“ما أعرفه أن المدرب الجيد لا يهاب نتائج قراراته ، يقوم بما يخبره به حدسه وليحدث ما يحدث”

“اللاعبون يختبرونك يومياً في التدريبات. بالطبع يدركون أن الحظ يلعب دور كبير في حسم المباريات، لكنهم يريدون أن يشعروا بأن المدرب مقتنع بالقرارات التي يتخذها”

“الفارق بين الفوز والخسارة ضئيل جداً ، تشيلسي خسر دوري أبطال أوروبا لأن جون تيري انزلق وهو يسدد ركلة الجزاء.. مجرد انزلاق! دائماً ما أذكّر اللاعبين بهذا الموقف”

“حينما أخسر مباراة، أبدأ في الشك في كيفية إدارتي لها، هل أستطيع الحفاظ على نجاحي؟ لكن حينما أنتصر، فإن النشوة تستمر لخمس دقائق فقط ثم أفكر فيما هو آت”

“قبل بداية موسم 2011-2012 اجتمعت باللاعبين –الذين لم يمر على تتويجهم بدوري الأبطال سوى أشهر قليلة- لأذكرهم بأننا لن نتوقف عند هذه النقطة ويجب علينا مواصلة العمل”

“اللاعبون يعرفون أن تكرار خطأ ما عشر مرات لا يزعجني بقدر تجاهلني أو عدم النظر إليّ حينما أحدثهم ، قلة الاحترام قد تقضي على كل شيء”.


كلماته في المران الأول .. استراتيجية التهديد

تخيّل أنك جئت لتدريب أحد أكبر أندية العالم ، كيف ستكون كلماتك الأولى في أول تعارف مع لاعبيك وكل ما تمتلكه في مسيرتك التدريبية هو بضعة نجاحات مع فريقهم الرديف؟ تهديد ميسي، شابي، انييستا، بويول، هنري وإيتو؟ لابد أن هذا الأمر تطلّب قدرا كبيراً من الثقة.

“كل ما أطلبه منكم هو 100% من مجهودكم، لن أقوم بتأنيب أحد إذا مرر أو شتّت الكرة بشكل خاطئ أو حتى كلفنا هدف”

“سأسامح أي خطأ لكني لن أتهاون مع أي شخص لا يضع قلبه وروحه مع برشلونة”

ويبدو أن استراتيجية التهديد لا تتغير بتغير المكان، فقد هدد جوارديولا لاعبي بايرن أيضاً في أول لقاء بينهم  لكن ما تغيّر أن حديثه معهم كان بالألمانية!

“طلبي الوحيد منكم هو الركض باستمرار، الضغط ثم الضغط. يمكن أن تخطئ في تمريرة، أن تنقطع منك الكرة، لكن لا تتوقف عن الركض أبداً. إذا توقفت عن الركض ستكون خارج الفريق”

2803132


أكثر ليلة درامية في الكامب نو؟ لا، ليست ليلة الخمسة في شباك مورينيو وفريقه ولا حتى التتويج بالسوبر الإسباني في 2011، بل وصف جوارديولا الليلة التي شهدت دخول أبيدال أمام ريال مدريد في نصف نهائي دوري الأبطال بأنها “أكثر الليالي الدرامية” التي عاشها في الكامب نو. الظهير الفرنسي شارك في الدقيقة 90 حينما كانت نتيجة اللقاء تشير إلى تعادل الفريقين 1-1، بعد تعافيه من ورم حميد أصاب كبده في الموسم السابق.

أبيدال حُمل على الأعناق عقب صافرة النهاية، وبعدها بأسبوع حمل الكأس ذات الأذنين بعد تتويج برشلونة في ويمبلي على حساب مانشستر يونايتد.


لم يكن يدري تياجو سيلفا أن رأسيته في شباك فالديز ستجبر جوارديولا لاحقاً على وصف مباراة فريقه أمام ميلان التي انتهت بالتعادل الإيجابي 2-2 بأنها نقطة التحول في مسيرته مع برشلونة. ليلة الثالث عشر من سبتمبر عام  2011 لم تكن كبقية الليالي في كامب نو. برسا متقدم حتى الوقت بدل الضائع من مباراة دوري المجموعات ، سيدورف ينفذ الركنية، لينظر الجميع إلى رأس المدافع البرازيلي وهي تجلب لفريقه نقطة التعادل، وتجلب لبيب المتاعب والشك في قدراته.

أدرك جوارديولا بعد هذه المباراة أن فريقه قد خسر ميزته التنافسية، وأن تركيز لاعبيه أصبح يتناقص فترة تلو الأخرى بالتوازي مع نقص سيطرته عليهم، ومثل هذه الأشياء الصغيرة هي ما ميزت البرسا عن بقية الفرق خلال مواسمه الثلاثة الماضية.

المشاكل خلف الأبواب المغلقة في غرف خلع الملابس بدأت تزداد، فبعد إحدى المباريات اضطر جوارديولا لتعنيف داني ألفيش أمام زملائه بسبب تقدمه كثيراً للهجوم، وهو أمر لم يعتد المدرب على فعله، كما أن وجوه بعض اللاعبين مثل بويول وكيتا المنزعجة من البقاء على دكة الاحتياطي بدأت تغضبه.

بيب علم جيداً أنه لن يكون هناك موسماً خامساً. بعد مباراة ميلان، اهتزت نتائج الفريق بعض الشيء في لا ليجا: تعادلات أمام فالنسيا في الميستايا، إشبيلية في كامب نو، وأتليتك بلباو في سان ماميس، إلى أن وصل جوارديولا إلى أسوأ حالاته بعد الخسارة 1-0 من خيتافي في نوفمبر.. ولم يكن ذلك بسبب كرة القدم فقط!

قبل مباراة خيتافي بخمسة أيام، أجرى الفريق التدريب الأخير قبل السفر إلى ميلانو من أجل مواجهة الميلان في دوري المجموعات من دوري أبطال أوروبا. أمر جوارديولا اللاعبين بتشكيل دائرة ووقف في منتصفها مستجمعاً قواه ليخبرهم بسرٍ خبأه عليهم هو وفريقه الطبي.

بدأ المدرب حديثه لكن رهبة الموقف حالت دون أن يكمل كلامه بعد أن خفت صوته ويبست حنجرته. طبيب الفريق أكمل ما بدأه المدير الفني وأخبر اللاعبين بأن مساعد المدرب تيتو فيلانوفا سيجري عملية طارئة من أجل استئصال ورم في الغدة النكافية ولن يستطيع السفر إلى إيطاليا مع الفريق. صُدم اللاعبون وبدا جوارديولا غارقاً في أفكاره، برشلونة هزم روسونيري 3-2 في سان سيرو، وبالرغم من النتيجة المرضية إلا أن الاكتئاب لم يفارق المدرب.

بعد ثلاثة أيام فقط من الفوز على ميلان، خسر برشلونة من خيتافي في ليلة باردة وبين جنبات ملعب شبه فارغ بأداء مخيّب، لتتعقد الأمور في الليجا أمام منافسٍ متعطش للانتصارات ومبتعدٍ بفارق خمس نقاط.

في الساعات الأولى ليوم 27 نوفمبر 2011، وخلال رحلة العودة من مدريد إلى برشلونة، بدا جوارديولا معزولاً وحزيناً أكثر من أي وقت مضى، لم يكن الأمر مجرد حزن على ثلاث نقاط، المقعد بجانبه كان شاغراً ولم يتجرأ أحد على الجلوس هناك. نعم، إنه المكان الذي كان يجلس فيه فيلانوفا دائماً.

FBL-ESP-BARCELONA-ABIDAL

أندوني زوبيزاريتا المدير الرياضي للبلوجرانا حينها كان شاهداً على حالة بيب خلال رحلتي ميلانو ومدريد وقال في هذا الصدد:“لقد شعرت بأنه أصيب بثقب تسرّب منه كل ما يملك من طاقة ، تضاءل وبدا أنحف، لقد ذبل وكبر فجأة”.

“تمنّيت أن أستطيع تقديم المساعدة لكنه لم يكن مستعد لمزيد من المسئوليات، البحث عن حلول، مقاومة الأزمات والابتعاد عن عائلته”

“نصيحة كرويف أنهت أمر استمراره مع الفريق..  لقد أخبره بألا يبقى أكثر مما يجب”


رسالة من السير

اللقاء الأول بين بيب جوارديولا والسير أليكس فيرجسون كان في المؤتمر السنوي لمدربي النخبة التابعين للاتحاد الأوروبي لكرة القدم في سبتمبر من عام 2010، ما قبل ذلك كان مجرد تبادل تحية عابرة قبل انطلاق نهائي روما. خلال هذا اللقاء أخطاً السير في نطق اسم المدرب الإسباني، قال له: أهلا “بيبي” وبالرغم من أن جوارديولا  فاز بسبعة ألقاب من أصل تسعة ممكنين منذ توليه تدريب البارسا إلا أن تواضعه في حضرة السير أخجل من أن يصلح له خطأه.

جوارديولا كان يرى في السير نموذجاً وقدوة يُحتذى بها، وبعد أن تطّورت علاقتهما أصبح دائم التردد على أخذ النصائح من المدرب التاريخي لليونايتد. في كتاب “طرق أخرى للفوز”  كتب السير أليكس رسالة كاملة لجوارديولا في ربيع 2012، وتحدّث عنه قائلاً :“كنت أريد التوقيع مع جوارديولا حينما أدرك ان لا يمكنه البقاء أكثر من ذلك مع برشلونة، لقد كان أشبه بنوعية متطورة من بول سكولز، قائد، لاعب وسط ملعب مدافع وأحياناً صانع ألعاب في فريق أحلام يوهان كرويف. هذا النوع من اللاعبين هو الذي أريده، لكن الأمر انتهى بي بالتعاقد مع فيرون”

“من الأمور التي لاحظتها على جوارديولا –بالرغم من نجاحاته المميزة كمدرب- أنه شديد التواضع والإحترام ، لا يحاول أبداً التفاخر بما حقق بل ينتظر المزيد”

“لقد أحس في لحظة ما خلال مسيرته التدريبية مع برشلونة بمدى ارتفاع التوقعات والمطالب من فريقه، أنا واثق أنه قال في قرارة نفسه: إلا متى سيستمر هذا ؟ هل أستطيع أن أبني فريقاً آخراً يفوز بكل شيء؟ هل أستطيع أن أحتفظ بهذا المستوى من النجاحات ؟”

“لو استطعت أن أقدم له نصيحتي في تلك الفترة لما أخبرته بأن يرحل. لماذا يرحل ؟ ربما كان يجدر به أن يحاول السيطرة أكثر على لاعبيه، خلق المزيد من الجمل التكتيكية لأن معظم الفرق بدأت في مقاومة أسلوبه، أو ابتكار دوافع جديدة للاعبيه”

“ما حققه بيب خلال سنواته الأربعة مع برشلونة كان أفضل مما حققه أي شخص تولى هذا المنصب سواء كان فان جال، ريكارد أو كرويف. أنا أؤمن بأنه كان يمتلك الأسلحة ليحقق مثل تلك النجاحات مراراً وتكراراً”

“أياً كان الفريق الذي سيقرر جوارديولا تدريبه، فإن التوقعات المبالغ فيها والمطالب سترافقه إلى هناك، ولو كنت مكانه فإن الرحيل عن برشلونة سيكون أصعب قرار أتخذه في حياتي”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s