بداية النهاية: رونالدو دي أسيس موريرا في مدينة النور

ترجع أولى ذكرياتي المتعلقة بهذا البرازيلي النحيل عندما كان لاعبا في باريس سان جيرمان. كنت أحب مشاهدة برنامج (اللعب في الصندوق) الذي كان يذاع على القناة الثانية الأرضية ويقدمه الأسطورة محمود الخطيب، كانت فرصة جيدة لمشاهدة بعض اللقطات من الكرة الأوروبية التي لا ندري عنها شيئا –بعيدا عن الدوريات الكبرى ودوري الأبطال بالطبع- ثم عرض في أحد الأيام ذلك المقطع الذي أثار انتباهي وانبهاري في آن واحد.

فريق عاصمة النور يرتدي زيه الاحتياطي باللون الرمادي الفاتح قليلا، أتذكر كل هذه التفاصيل، ثم عرض “بيبو” على الشاشة فيديو للاعب يرتدي القميص رقم 21 يؤدي حركة “بيدالدا” باستمرار، ثمانِ مرات متتالية، بسرعة فائقة! أتذكر جيدا أن الخطيب طلب من مخرج برنامجه أن يعيد تلك اللقطة أكثر من مرة وفي كل مرة كان يبطئ من السرعة ويعلق على الأمر بضحكة ساخرة تغني عن أي كلمات، فقط تتركني مع اندهاشي –وإعجابه- الذي لا يتلاشى حتى بعد نهاية تلك الحلقة.

بعد نهاية الحلقة حاولت محاكاة تلك الحركة التي كنت قد رأيتها لتوي مستخدما كرة صفراء إسفنجية بحجم كرة اليد. حاولت مرارا وتكرارا لكنني لم أنجح في تكرار “بيدالدا” سوى في مرتين فقط ثم استسلمت. بدا الأمر مستحيلا بالنسبة لي على الرغم من كل السهولة التي شاهدت رونالدينيو يؤدي بها الحركة.


يقول الكاتب والفيلسوف الألماني، فريدريش نيتشه، في كتابه (هذا هو الإنسان) أن ليس للفنان أي مأوى في أوروبا سوى في باريس. ربما لم يسمع رونالدينيو هذا الاسم من قبل، لكنه أكد على صحة مقولة نيتشه في 2001 عندما غادر بلاده، البرازيل، متجها صوب باريس ليزيد من أضواءها بطريقة خاصة للغاية.

هناك طريقان يسلك أي لاعب واحد منهما خلال مسيرته: اما الالتزام حتى النهاية فيذكره البعض، أو تفضيل أشياء أخرى على كرة القدم فينساه الجميع. بالنسبة لرونالدينيو، كان هناك معادلة أخرى استطاع أن يتوصل لصيغتها بنفسه… طريقة رونالدينيو. كان يستمتع بكرة القدم في الوقت الذي يحب وعلى الرغم من ذلك فقد وصل لأعلى المراتب على المستوى الفردي والجماعي مع الأندية التي مثلها ومنتخب البرازيل أيضا.

لكن مدربه كان يكرهه، وزملاءه شعروا جميعا بالإهانة. من هذا الفتى الصغير الذي لا يحضر الحصص التدريبية ويطل علينا أيام الجمعة من كل أسبوع مرتديا نظارته الشمسية السخيفة وتلك الابتسامة المزعجة؟ وكيف له أن يكون في عطلة نهاية الأسبوع بكل تلك الروعة داخل الملعب دون أن يتدرب؟

قبل أن يصل رونالدينيو إلى باريس كان هناك نجما يسطع في سماء العاصمة، جاء من فناربهتشه التركي واسمه جاي جاي أوكوشا. انضم النيجيري إلى الفريق عام 1998 وأصبح معبود الجماهير، تعلقت به جماهير حديقة الأمراء أكثر حتى من نيكولا أنيلكا الفرنسي مثلهم. كان الثنائي خطير وفعال للغاية في ذلك الوقت، لكن قليلا من سحر بورتو أليجري هناك في البرازيل كان ينقصهم لذلك، قامت الإدارة الرياضية في الفريق بانتداب رونالدينيو من نادي جريميو مقابل خمسة ملايين جنيها إسترليني. رونالدينيو الذي سجل ذلك الهدف فور مشاركته كبديل ضد فنزويلا في كوبا أمريكا 1999.


لويس فيرناندز، أحد أهم لاعبي منتخب فرنسا خلال الحقبة البلاتينية والذي فاز بأمم أوروبا 1984، كان يعاني بشدة مع هذا الشاب الصغير الذي أعجبته الحياة الليلية النشطة لباريس وأبعدت عقله عن التركيز على كرة القدم فقط. كان فيرناندز المدير الفني لباريس سان جيرمان حينما ظهر رونالدينيو للمرة الأولى في أوروبا متفوقا على مواطنه الفرنسي، أرسن فينجر، الذي كان يرغب في ضم رونالدينيو بشدة لكن أمورا روتينية منعت الصفقة من أن تتم مثل تصريح العمل الذي يستخرجه اللاعبين من خارج الاتحاد الأوروبي.

لم يكن رونالدينيو في أفضل حالاته البدنية طوال الوقت أثناء فترته في باريس، ربما يصيغ لويس فيرناندز الأمر بشكل أكثر دقة: “نعم، باريس مدينة تغوي الجميع وهي مشكلة لفريقنا”.

حاول لويس فيرناندز بشتى الطرق السيطرة على هذه التركيبة غير المنطقية، لكنه استسلم في النهاية تاركا كل هذه الفوضى لبرشلونة في 2003.

ربما بسبب سلوكياته أبقاه فيرناندز في أوقات كثيرة على دكة البدلاء وفقا لجيروم ليروي أحد أهم اللاعبين في تاريخ باريس سان جيرمان.

PSG/OL - 04.12.2002

رونالدينيو ولويس فيرنانديز

يقول ليروي: “هناك لاعبون ليسوا من النوع الذي يظهر في التدريبات بشكل يومي كأي لاعب محترف. رونالدينيو كمثال، لم يكن يظهر طوال الأسبوع معنا في الحصص التدريبية ثم يطل علينا أيام الجمعة ليلعب يوم السبت”

“لكن هذا لا يدوم للأبد. كما رأينا، لم تكن مسيرة رونالدينيو في الملاعب طويلة، لقد كان محظوظا بمغادرة برشلونة أيضا قبل أن ينفجر ليو ميسي ويظهر بقوة على الساحة”

“كان لويس فيرناندز ينزعج كثيرا من أسلوب رونالدينيو، لم يكن يظهر قلة احترام للمدرب فقط بل للاعبين أيضا الذين يحضرون يوميا إلى مقر التدريب. كان صغيرا في هذا الوقت وأعتقد أن فيرناندز تركه على دكة البدلاء لينضج”

“لم تكن مسيرة رونالدينيو كما توقعناها جميعا. مع كل الموهبة التي امتلكها كان ليصل إلى مكانة أكبر بكثير كلاعب محترف ولكن، إذا كنت لن تتدرب يوميا فلن تصبح مؤثرا في كل مباراة نظرا لحالتك البدنية”.


لكن موسم رونالدينيو الأول لم يكن بهذا السوء. في الواقع، أثبت هذا الشاب الصغير أن الفريق بحاجة فعلا لبعض من سحر البرازيل عندما بدأ في المشاركة مع الفريق جنبا إلى جنب مع أوكوشا الذي كان غير قابلا للتوقيف من قبل خصومه داخل الملعب.  لم يلعب أوكوشا مباراة الافتتاح من موسم 2001-2002، كذلك رونالدينيو الذي لم تكن أوراقه قد أرسلت من قبل الاتحاد البرازيلي بعد.

كان الظهور الأول في الجولة الثانية ضد نادي أوسير، دخل رونالدينيو بديلا لخوسيه ألويزيو ولعب لمدة ثلاثين دقيقة كانت متبقية على صافرة النهاية. كان الفريق متقدما 1-0 حتى عادل جابرييل سيسيه النتيجة في الدقيقة 82 وانتهت تلك المباراة بالتعادل، وربما لو انتصر باريس سان جيرمان في هذه المباراة تحديدا لتأهل إلى دوري الأبطال. أنهى الفريق الباريسي موسمه في المركز الرابع بفارق نقطة واحدة فقط عن أوسير الذي خطف بطاقة التأهل لدوري الأبطال بعد أن أنهى موسمه في المركز الثالث.

انتظر رونالدينيو حتى الجولة العاشرة ليسجل هدفه الأول بقميص باريس سان جيرمان لكنه كان هدفا مهما له وللجماهير نظرا لطبيعة المباراة. كان فريق العاصمة متأخرا 2-1 في النتيجة ثم شارك رونالدينيو في الدقائق العشرين الأخيرة ليسجل هدف التعادل من ركلة جزاء بعد 10 دقائق فقط من دخوله الملعب. كان الأمر شخصيا للغاية بالنسبة له، واحتفل كما لو أنه قد ضمن لفريقه الفوز راكضا بحماس وقد ارتسمت على وجهه الابتسامة الأشهر في تاريخ كرة القدم. ابتسامة رونالدينيو الأيقونية.

تعادل الفريقان وواصل ليون حملته ليبدأ سلسلة أسطورية من سبعة ألقاب متتالية. لكننا لا نستطيع أن ننسى هدف أوكوشا في هذه المباراة أيضا.

فقط رائع!

مدينة رونالدينيو الأم، بورتو أليجري، تعتبر من بين أغنى المدن في أمريكا اللاتينية، لكنه قد اختبر طفولة قاسية للغاية بظروف اجتماعية ومادية لم تتح له التمتع كمعظم أطفال أوروبا. وبالنظر إلى خروجه من البرازيل وهو شاب صغير، متجها صوب مدينة النور، كان من الصعب كبح جماح رونالدينيو الذي انغمس بصفة شبه يومية في الحفلات الليلية المتأخرة. كان رونالدينيو يذهب إلى التدريبات ليقوم بتبديل ملابسه والذهاب مباشرة إلى غرفة التدليك ليستغرق في النوم!

يقول الكاتب الفرنسي سيرج بروسلو “هناك لعنة تلاحق كل عبقرية… انت تعلم ذلك“. لم تكن قدرته على اللعب محل شك، لكن لاعبون بموهبة مثل موهبة رونالدينيو يكونون أغبياء في بعض الأحيان، إنهم مجانين، لا يستطيعون حتى إدراك أو تفسير أفعالهم. ربما هذا بالتحديد ما حدث في الموسم الثاني له في باريس. مزيد من الغباء والجنون والاستمتاع بكرة القدم -والحياة- على طريقته الخاصة.

الشقيق الأكبر، روبرتو، هو كل شيء في حياة رونالدينيو حتى بعد أن أصبح شابا ناضجا -أو هكذا نظن- ولاعبا محترفا. مشاهدته له وهو طفل صغير بينما كان الأخ الأكبر يراوغ كل من في الحي برشاقة غرست بداخله ذلك الشيء: أريد أن أصبح مثل روبرتو!

كان روبرتو هو مدير أعمال أخيه الأصغر ومستشاره الأول في كل شيء، تذهب إليه الأندية في كل مرة لإقناع أخيه بأن ينضم لصفوفهم. حتى بعد الانتقال من بورتو أليجري إلى باريس، كان روبرتو هناك متواجدا ليقدم الدعم لرونالدينيو. لكن كل ذلك اختفى في الموسم الثاني، أصبح رونالدينيو بمفرده تماما في باريس بعد أن غادرت والدته وشقيقته وروبرتو. لا يمكن أن يترك هكذا صبي بمفرده أبدا في مواجهة إغواء باريس ودماغه الذي يضع نصب أعينه صور الحفلات والخمر والنساء. خرج رونالدينيو في إجازة الشتاء مثل باقي اللاعبين لكنه لم يظهر في الموعد المحدد له، لقد تأخر عشرة أيام كاملة!

عمال ملعب بارك دي برينس يعمل بعضهم في الملاهي الليلية، كانوا يذهبون إلى فيرناندز في الصباح  قائلين آخر جملة يرغب هو في سماعها قبل بداية الحصة التدريبية “لقد رأينا رونالدينيو”. وكان الأمر يصبح أكثر جنونا عندما يعود رونالدينيو إلى فندق تريانون بالاس -حيث كان يقيم الفريق حتى أكتوبر 2014- مصطحبا معه فتاة ما غير مبال بالعالم، لم يتقبل  فيرناندز أمورا مثل هذه بالطبع لكن مع كل اللامنطقية التي كان يتعامل بها رونالدينيو تحول الأمر إلى تشكيك فيرناندز في قراراته، كان يقول لنفسه في بعض الأحيان “تبا، ربما كان علي تركه يفعل ما يفعله عوضا عن الصراخ”… هكذا كانت تجري الأمور في باريس.

لكن رونالدينيو استطاع أن يحتفظ لنفسه بشيء ما في النهاية، مثبتا للجميع أنه يلعب كرة القدم فقط من أجل أن يمتع نفسه. هدف في مرمى غانغون أمّن لرونالدينيو جائزة أفضل هدف في الموسم حتى مع كل الصخب الذي كان يحدثه مساء في سهراته. هدف يمتنع عن وصفه الشعراء تواضعا.

إنها التركيبة الأغرب على الإطلاق: لاعب لا يعترف بالحصص التدريبية، كثير السهر، بعيد كل البعد عن العقلية الإحترافية… والأفضل في العالم في 2004 بكرة ذهبية استحقها بعد مغادرة باريس بعام واحد فقط.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s