جاك رينولدز ورينوس ميتشيل: بين الهجوم الشامل والكرة الشاملة

مفهوم الكرة الشاملة أو “Total Football” كانت لديه بعض البوادر قبلها في فرق مثل ريال مدريد الخمسينيات وسانتوس البرازيلي في الستينيات وأيضًا بيرنلي الإنجليزي في أواخر الخمسينيات ولكن كل تلك التجارب لم تطبق الكرة الشاملة بمفهومها الكامل كما أنها اتسمت ببعض القوة في اللعب الدفاعي. فبعد سنوات اعتمدت فيها كرة القدم على الهجوم بأكبر عدد ممكن آن الأوان لتتغير تلك الفلسفة لما هو أحدث وأكثر واقعية وبالتأكيد أكثر امتاعًا.

بشكل عام، دعائم تلك المنظومة الكروية أرساها الإنجليزي “جاك رينولدز” في العقد الثاني من القرن العشرين حين بدأ رحلته التدريبية مع أياكس أمستردام الهولندي في عام 1915، وطوال 10 أعوام بدأ رينولدز نطبيق الكرة الشاملة التي كان يحلم بها، ولنكن منصفين فالعقليات الكروية وطبيعة اللعب حينها لم تساعد ثم عاد من جديد في عام 1928 ليظل في قيادة الفريق حتى عام 1940 وببداية الحرب العالمية الثانية توقفت الحياة تمامًا في القارة العجوز، ثم من جديد قاد الفريق بين عام 1945 و1947.

وطوال تلك الفترات ربما لم تكن الفكرة العامة للكرة الشاملة قد تبلورت ولكن ما أرساه رينولدز لم يذهب هباءًا. رينوس ميتشيل الهولندي الذي لعب تحت إمرة رينولدز قرر أن يحمل تلك الشعلة ولكن بفكر متجدد، ميتشيل بدأ تدريب أياكس أيضًا في عام 1965 وبدأ في تطبيق المشروع الذي تطور مع السنين الماضية وأصبح تطبيقه ممكنًا خصوصًا مع جيل بدأ في البزوغ داخل الأراضي الهولندية المنخفضة. وبحلول عام 1970 كان مرحلة التطبيق كانت انتهت وبدأ الجميع في استقبال نتائج ظهور الكرة الشاملة في أنحاء أوروبا.

الكرة الشاملة: أن تلعب بأسهل أسلوب ممكن، سلاسة في تناقل اللعب ولعب قصير تتحرك به المجموعة من الخلف للأمام تدريجيًا ككتلة واحدة، ولكن ما أضافه ميتشيل كان الجزء الأكثر تعقيدًا. كرة القدم عبارة عن فريق يتكون من حارس و10 لاعبين وهو ما فهم معناه، ليس هناك حاجة لبقاء اللاعبين في مراكزهم باستثناء الحارس، 10 لاعبين يلعبون في كل مكان دفاعًا وهجومًا والجميع لديه حرية التحرك في كامل أرجاء البساط الأخضر.

ورغم أن فترة ميتشيل في أياكس انتهت في عام 1971 حين قرر برشلونة انتدابه سعيًا لتطبيق مشروعه إلا أن من قاد أياكس بعده لم يكن لأسلوب آخر، فحتى من دون ميتشيل لم تكن عناصر أياكس في حاجة لمدرب.

خلال 5 سنوات حصد ميتشيل 4 دوريات مع أياكس و 3 بطولات للكأس ودوري أبطال أوروبا مرة واحدة، ولكن ترك في أياكس ما هو أكبر، بمنتهى البساطة “يوهان كرويف”. كرويف لم يكن مجرد لاعب فذ وأفضل لاعب في العالم وقتها، ولكن تلك السنوات الست تشبع فيها عقل كرويف بمفهوم الكرة الشاملة فأصبح قائدها وحامل لؤاها مع النادي فقاد الفريقين للقبين آخرين في دوري الأبطال من دون حتى وجود ميتشيل. في الموسمين اللذان تليا رحيل ميتشيل امتلك أياكس رقمًا يصعب ليس فقط معادلته بل حتى تصديقه، 46 مباراة على التوالي على أمستردام أرينا معقل الفريق من دون هزيمة أو حتى تعادل، نعم 46 فوز على التوالي طوال موسمين ساد فيه الفريق أوروبا.

بحلول العام 1974 كانت هولندا على موعد مع حلم كأس العالم، ومن دون انتظار قرر الاتحاد الهولندي انتداب ميتشيل لقيادة المنتخب وكان من السهل التوقع أن الفريق سيلعب بأسلوب الكرة الشاملة، وأفضل صورة لتلك الفلسفة هو ما طبقه الهولنديين حينها، النسخة الأولى من البطولة بكأسها الجديد “الباقي حتى الآن” ستنطلق من ملاعب ألمانيا الغربية.

قائمة الهولنديين وعلى عكس المتوقع شهدت تواجد 6 لاعبين فقط من أياكس ولكن 5 منهم لعبوا كل مباريات المنتخب، فيما استدعى ميتشيل 7 لاعبين من فينورد الذي استغل رحيل يوهان كرويف عن أياكس ليقدم موسمًا رائعًا توج فيه بلقب الدوري. 3 لاعبين من فينورد هم من شاركوا بصفة أساسية مع الطواحين، كما استدعى ميتشيل “روب ريسنبرنك” مهاجم أندرلخت البلجيكي والذي لقي استدعائه انتقادات من الصحف لأنه كما وصفوه “غريب على أسلوب الكرة الشاملة”. وبالطبع يوهان كرويف القائد ومهاجم برشلونة الإسباني.

أوقعت القرعة منتخب هولندا في المجموعة إلى جوار السويد وبلغاريا وأوروجواي، وبالتعمق في تفاصيل طريقة لعب الهولنديين بدأ ميتشيل مبارياته بطريقة 3-4-3 ولكن ذلك كان على الورق فقط، وفي الملعب كان كرويف الذي لعب كمهاجم false nine في تلك الطريقة يعود كثيرًا إلى خط الوسط تاركًا المجال أمام جوني ريب وريسنبرنك للعب كمهاجمين لافساح المجال لتحركات يوهان نيسكنس والمدافع رود كرول، لعب كرول كليبرو حر يتحرك في كامل أرجاء الملعب وكثيرًا ما كان يتحول إلى جناح في حالة الهجوم، طريقة لعب تكفل لجميع اللاعبين حرية اللعب والابداع في جميع أنحاء الملعب.

البداية لم تكن بتلك القوة التي توقعها الهولنديين فبعد فوز صعب أمام الأوروجواي بهدفي جوني ريب ثم تعادل سلبي مع منتخب السويد الذي نجح في إيقاف الهولنديين، المباراة الثالثة في المجموعة كانت الانطلاقة الحقيقية للهولنديين. هولندا تسحق بلغاريا برباعية لهدف وتقدم أداء مبهر وانذار شديد اللهجة للخصوم.

في الدور الثاني، وجدت هولندا نفسها في مواجهة الأرجنتين والبرازيل وألمانيا الشرقية التي فجرت مفاجأة كبيرة بانتصارها على جارتها الغريبة مستضيفة البطولة وتصدرها للمجموعة الأولى. البداية كانت من حيث انتهى ميشيل في مباراة بلغاريا ورباعية جديدة في شباك الأرجنتين بثنائية كرويف وهدف كل من كرول وجوني ريب، ثم تخطي ألمانيا الشرقية بهدفي نيسكنس وريسنبرنك قبل تؤكد صدارتها للمجموعة وتأهلها للنهائي بثنائية نيسكنس وكرويف في مرمى البرازيليين. ثلاثة انتصارات أمام ثلاثة مرشحين للبطولة بدون أن تهتز الشباك وأصبح واضحًا للعيان أن المباراة النهائية أمام ألمانيا ل تكون أصعب من سابقاتها.

المباراة النهائية أمام المستضيفة ألمانيا الغربية كانت شاهدة على واحد من أعظم أهداف البطولة تاريخيًا، ركلة البداية من جانب هولندا وتناقل جميل للكرة بين الأقدام وصل إلى 13 تمريرة قبل أن تعود الكرة إلى كرويف الذي راوغ “بيرتي فوجتس” قبل أن تتم عرقلته داخل منطقة الجزاء بواسطة “أولي هونيس” ليحصل على ركلة جزاء نفذها يوهان نيسكنس بنجاح مسجلًا الهدف الأول قبل انقضاء أول دقيقتين ودون أن تلمس الكرة أقدام الألمان.

ولكن رغم ذلك وبواسطة التنظيم التكتيكي للماكينات الألمانية نجحوا في العودة بهدفين عبر بول برايتنر من ركلة جزاء وجيرد مولر، لينتهي الشوط الأول بتقدم ألمانيا. بين شوطي اللقاء أوكل “هيلموت شون” المدير الفني لألمانيا رقابة رجل لرجل على كرويف للمدافع فوجتس وحرك القيصر بيكنباور من مركز الليبرو إلى خط الوسط لزيادة العدد فيه، ومع جهود بيكنباور وهونيس و”فولفجانج أوفراث” نجح الألمان في السيطرة على خط الوسط والعبور بنتيجة اللقاء حتى النهاية.

الهزيمة شكلت صدمة كبيرة للهولنديين حينها، ميتشيل قدم استقالته بعد الهزيمة في النهائي وحلم الحصول على كأس العالم تم تأجيله. وفي كأس العالم الذي تلاه قدمت هولندا نسخة أقوى من كرتها الشاملة بقيادة النمساوي “ارنست هابل” ومن دون جهود يوهان كرويف الذي اعتزل دوليًا بسبب مخاوف أسرية من الأوضاع الديكتاتورية حينها في الأرجنتين، حيث صرح في 2008 أن أسرته تعرضت لحادثة خطف أثناء تواجده في برشلونة مما أثر عليه ذهنيًا حسبما قال، ولكن أيضًا سقطت في النهائي أمام الأرجنتين لتفشل مجددًا قبل خطوة واحدة من خط النهاية.

الهجوم الهولندي في كأس العالم سجل 15 هدف في 7 مباريات سجلها نيسكنس 5 أهداف، جوني ريب 4 أهداف ، يوهان كرويف 3 أهداف وهدف لكل من رود كرول وريسنبرنك وثيو دي يونج. رغم الهزيمة في نهائي 1974 ستبقى هولندا مدينة لرينوس ميتشيل بلقبها القاري الوحيد حين حصلت على يورو 1988 في أرضها تحت قيادته التدريبية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s