عشقته ميلانو وقدسته البندقية.. ألفارو ريكوبا الذي تلاشى سريعا

قبل المشهد التالي بأسابيع قليلة، سمع ماسيمو موراتي (رئيس إنتر) اسم ألفارو ريكوبا للمرة الأولى في حياته ربما. ساندرو ماتسولا، أحد أساطير النادي والذي لعب له طيلة 17 عاما متتالية رشح ريكوبا للانضمام إلى الفريق الإيطالي بعد أن اقتنع أنه تعثر للتو في عبقري آخر. كان موراتي قد أتم لتوه صفقة تأمن انتقال البرازيلي رونالدو من برشلونة إلى إنتر مقابل 18 ملايين يورو (رقم قياسي عالمي) لكن ثقته في ماتسولا جعلته يمضي قدما لمفاوضة نادي ناسيونال هناك في أوروجواي والحصول على خدمات ألفارو مقابل 17 ملايين آخرين.

الجولة الأولى من موسم 1997-98، ربما هو الموسم الأعظم للكرة الإيطالية محليا خلال ذلك العقد – خافيير زانيتي ودييجو سيموني كانا أول الراكضين تجاهه بعدما تلاشى إحساسه المزيف بتوقف العالم عن الدوران من أثر الصدمة. سجل الشاب القادم من أوروجواي صاحب الأسنان البارزة والقدم اليسرى الفذة لتوه هدفا هو الأول له، مجبرا جماهير إنتر على الوقوع في غرامه من اللحظة الأولى في ظهيرة اليوم الأخير من شهر أغسطس.

كان إنتر في تسعينيات القرن الماضي واحدا من عمالقة اللعبة محليا وقاريا، لكن كل هذا لم يمنعه من التأخر في النتيجة بهدف مقابل لا شيء أمام فريق بريشيا الصاعد حديثا للدرجة الأولى والذي كان يلعب له أندريا بيرلو في ذلك الوقت. تشير ساعة ملعب سان سيرو إلى مضي 70 دقيقة من عمر المباراة، ثم قام المدرب لويجي سيموني بحركته الأخيرة، أشرك -للمرة الأولى- شابا صغيرا اسمه ألفارو ريكوبا يرتدي القميص رقم 20. ربما كان ليقضي ذلك التغيير على مسيرة ريكوبا التي لم تبدأ بعد، لكنه في المقابل أظهر لإيطاليا كلها ما الذي يمكن أن تفعله قدمه اليسرى الاستثنائية.

استحوذ إنتر على كتيبة مهاجمين في ذلك الموسم بإمكانها تحطيم أي دفاعات. نوانكو كانو، إيفان زامورانو والظاهرة رونالدو الذي لعب مباراته الأولى هو الآخر، إلا أن ريكوبا كان هو البطل يومها حتى أنه أجبر فرانشيسكو موريرو الذي يكبره بسبعة أعوام كاملة على تلميع حذاء قدمه اليسرى في احتفال لن ينساه “التشينو” بعد أن سجل هدفه الثاني.

نعم، لم يسجل ريكوبا مرة واحدة، بل مرتين، لينقذ جماهير إنتر ومن قبلهم لويجي سيموني وموراتي وماتسولا من الإحراج أمام الجماهير والصحافة، مقتنصا بذلك ثلاث نقاط خلال 20 دقيقة فقط ارتدى فيها القميص الأزرق والأسود للمرة الأولى في حياته. هدف أول من تصويبة قوية سكنت أقصى الزاوية اليسرى للحارس، ثم قذيفة مدوية في أقصى الزاوية اليمنى من كرة ثابتة. أي بداية تلك يا ألفارو!

ألفارو أليكساندر ريكوبا ريفيرو هو الإسم الكامل. ولد في مونتفيديو عاصمة أوروجواي وأكبر مدنها في السابع عشر من مارس عام 1976. يلقبونه بـ “التشينو” ومعناها “الصيني” في إشارة واضحة لملامح وجهه التي تشبه كثيرا سكان الشرق الأقصى… ونعلم الآن لماذا يثق موراتي في ماتسولا ثقة عمياء بعد هذا العرض الافتتاحي غير المسبوق. ربما كانت بداية ريكوبا مع إنتر هي الأفضل على الإطلاق لأي لاعب ارتدى ذلك القميص يوما.

لكن ذلك لم يدم طويلا. مع كل المهارة والدقة في التصويب أو التمرير الطويل التي تجلت في كل لمسة له، لم يظهر ريكوبا خلال موسمه الأول مع إنتر سوى في 8 مناسبات فقط! كما أنه اختفى تماما خلال النصف الأول من موسمه الثاني مع نيراتزوري ولم يشارك سوى في مباراة واحدة فقط، شارك لمدة 22 دقيقة في خسارة إنتر أمام فيورنتينا بنتيجة 3-1 ثم كان القرار بالانتقال إلى مدينة البندقية التاريخية في النصف الآخر من ذات الموسم.

كان عليه الخروج معارا ليحظي بأوقات أكثر من الظهور في الملعب، وقد كان، غادر ألفارو متجها إلى الشرق قليلا ليجد نفسه في نادي فينيسيا. بالتأكيد لم يترك بلاده الأم من أجل اللعب لفريق يصارع الهبوط، لكنه كان أشبه برجل في رحلة بحث عن المجهول مثل ماركو بولو الذي ولد في نفس المدينة.

كان فينيسيا في المركز الثامن عشر عندما خاض ريكوبا لقاءه الأول مع الفريق، بداية أخرى صعبة أمام يوفنتوس حامل لقب الموسم الماضي، لكن فينيسيا استطاع أن يخرج بنقطة بعد التعادل 1-1… ثم توالت معجزات القديس ألفارو. لو اجتمعت آلة الكمان الخاصة بأنتونيو فيفالدي بريشة الرسام العظيم تيتيان لربما وجدنا صيغة فنية مناسبة للأوقات التي قضاها ريكوبا مع فينيسيا.

شكل ريكوبا شراكة هجومية ملفتة للانتباه أثناء تلك الفترة مع زميله فيليبو مانيرو وكان العقل المدبر للحركة الهجومية في فينيسيا سواء بالتسجيل أو هندسة صناعة الفرص لرفاقه، 11 هدفا خلال 19 مباراة كانوا كفيلين بأن يضمنوا ابتعاد فينيسيا عن المنطقة الأكثر خطورة من جدول الترتيب لينهي الفريق موسمه في المركز الثالث عشر بفضل “التشينو” الذي نجح أيضا في صناعة 9 أهداف ليشترك مباشرة في 20 هدفا سجلها فينيسيا. واحد من العروض الرائعة التي قدمها ريكوبا خلال فترته مع فينيسيا كان في الجولة قبل الأخيرة ضد فريقه الأصلي، إنتر، عندما سجل من كرة ثابتة كما فعل في أول ظهور له في إيطاليا ضد بريشيا.

إنها الدقيقة الأولى وفينيسيا متقدم بالفعل بعدما سجل فولبي، بصمة ريكوبا ظهرت بعد ثلاث دقائق فقط عندما حوّل ضربة حرة مباشرة على حدود منطقة الجزاء بيسراه داخل الشباك. اللحظات التي استغرقتها الكرة لتصطدم بالعارضة ثم عبور خط المرمى قتلت العديد من جماهير إنتر يومها وكان ماسيمو موراتي على رأسهم. انتهت المباراة بفوز فينيسيا 3-1 بعد عرض لن ينساه جمهور الفريق الذي احتل أرض الملعب ليحتفل مع ريكوبا ببقاء الفريق مع الكبار.

لم يتوقف دعم موراتي للفريق بعد الفشل في موسم 1998-99 ونجح في التعاقد مع أسماء بقيمة إيفان كوردوبا، كريستيان بانوتشي، لوران بلان، فلاديمير جوجوفيتش، كلارنس سيدورف، أدريان موتو وأخيرا كريستيان فييري الذي سيصبح هداف الفريق في أول مواسمه. كما جاء مارشيلو ليبي ليقود تلك الكتيبة من أجل إنقاذ سمعة الفريق.

ويبدو أن ريكوبا قد أتم مهمته المقدسة على أكمل وجه في البندقية فقرر ليبي استدعاءه لصفوف إنتر من جديد ليبدأ الأوروجواني موسمه الثالث في إيطاليا حيث سيظهر بصفة منتظمة خلال موسم آخر مخيب للآمال للفريق الذي انتهى به الحال في المركز الرابع وفشل في التأهل لدوري الأبطال، كما أنه خسر نهائي الكاس لحساب لاتسيو بعدما سجل بافيل نيدفيد ودييجو سيموني هدفي اللقاء.

وفي الوقت الذي تمكنت فيه كل هذه السقطات من الإطاحة بمارشيلو ليبي، كان يخطط موراتي للإبقاء على جوهرته ريكوبا فوافق الأخير على توقيع عقد طويل الأجل (6 سنوات) في المقابل، جعله موراتي يتقاضى أعلى أجر سنوي ممكن فأصبح ريكوبا أكثر اللاعبين تقاضيا في العالم بأربعة ملايين يورو في الموسم الواحد.

التطور الأخير كان كفيلا بأن ينفجر من أجله اي لاعب في العالم، إلا أنه لم يجلب لألفارو -وموراتي بالطبع- سوى الكوارث. تم إيقاف ريكوبا سنة كاملة تم تقليلها لأربعة أشهر بعد الاستئناف، دخل ريكوبا إيطاليا عام 1997 بجواز سفر مزور يعطيه امتياز اللعب كأي لاعب آخر من دول الاتحاد الأوروبي، كما أجبر إنتر على دفع مليون يورو كغرامة تم تقليلها لاحقا إلى 725 ألفا فقط. أجبره الاتحاد الإيطالي أيضا على الالتزام بتقديم الخدمة الإجتماعية كبادرة لإظهار حسن النية فلعب ريكوبا دورا في محاربة العنف والعنصرية داخل ملاعب كرة القدم.

عاد إلى إنتر من جديد في شهر نوفمبر وهو في الخامسة والعشرون من العمر ثم توالت إصاباته في الركبة، كعب القدم والكتف -إنه الدوري الأكثر عنفا في العالم كما نعلم- ليظهر ريكوبا بعروض جيدة ولكن في عدد أقل من المباريات.

عطلته الإصابات وخطأه الأحمق ذلك عن إمتاعنا في الوقت الذي كان قد وصل فيه إلى قمة عطاءه لينفصل ريكوبا عن إنتر مجددا في سبتمبر 2007 عندما خرج معارا إلى نادي تورينو موسما كاملا. تحمس ألفارو من أجل العمل مرة أخرى مع والتر نوفيلينو الذي دربه أثناء فترته في فينيسيا، لكن الإصابات ضربته مرة أخرى فغاب عن 16 مباراة في الدوري ولم يسجل سوى هدفا وحيدا.

يبقى ظهوره الأكثر تميزا مع تورينو في فوز الفريق 3-1 على روما في نهائي الكأس عندما سجل هدفين جاء أولهما بعدما طرح دي روسي أرضا بمراوغة سلسة للغاية.

 

نهاية موسم 2007-08 كانت نهاية رحلة “التشينو” في إيطاليا. غادر ريكوبا للأبد وترك خلفه الكثير من المتعة وخيبة الأمل، واحدة من أكثر البدايات روعة على الإطلاق تحولت إلى نهاية غير عادلة لقدم يسرى تلاشى سحرها سريعا. وصف رحلة ريكوبا في إيطاليا بالتراجيدية ربما يكون مبالغا، لكنها كانت محبطة إلى حد بعيد.

سافر ريكوبا إلى الجارة اليونان ليلعب لفريق بانيونيوس فقط حتى أعلن الشتاء عن قدومه ليرحل مرة أخرى إلى بلاده الأصلية هذه المرة. عاد ألفارو إلى فريقه الأول، دانوبيو، لتستقبله جماهير الفريق كبطل محلي لا تقل قيمته عن مارادونا في مدينة روساريو وسائر المدن الأرجنتينية، ثم رحلة أخيرة إلى نادي ناسيونال الذي لعب له خلال فترة مراقبة ماتسولا له واعتزل أخيرا في أغسطس 2015.

حسنا، شكرا على هذا العقد سيد الفارو. لقد كان مليئا بالتحولات الدرامية، الكسل، الإصابات، الأمل الزائف والعبقرية التي لم نكتفي منها.

32b9685300000578-3518540-the_40_year_old_waves_to_the_fans_in_montevideo_who_came_to_watc-a-48_1459501716566download

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s