التطور على طريقة براهيمي: محاولة تتبع لمسيرة أمهر لاعبي الجزائر

لدى الجزائر كتيبة من اللاعبين الجيدين الذين يشغلون تلك المساحة خلف المهاجم: يعشق الناس رياض محرز الذي قاد فريق ليستر سيتي نحو مجد غير مسبوق، كما يعرفون جيدا اسم سفيان فيغولي الذي اختفى قليلا منذ انتقاله إلى وست هام. لكن ياسين براهيمي هو أفضلهم على الإطلاق لأكثر من سبب. ربما لم تكن الجزائر محظوظة بتمثيل زين الدين زيدان لمنتخب فرنسا، لكن ثعالب الصحراء لديهم الآن براهيمي الذي ولد هو الآخر هناك في فرنسا.

اقرأ أيضا – مدن كرة القدم: وهران

يعتبر محرز بطل الجزائر الأول لأسباب رومانسية أكثر من كونها فنية، مغلفة بنظرة غير موضوعية نسبيا، ولم يكن يوما في شبابه ذلك اللاعب الذي يرى فيه الناس موهبة غير عادية فقد انتدبه ليستر مقابل 400 ألف جنيها استرليني فقط. على العكس تماما، أثبت براهيمي في سن صغيرة قدراته الاستثنائية في كرة القدم التي أجبرت المدربين على استدعائه للفئات العمرية المختلفة لمنتخب فرنسا للشباب. ارتدى ياسين قميص الديوك منذ كان في الخامسة عشر من عمره حتى وصل إلى منتخب فرنسا تحت 21 عاما.

This slideshow requires JavaScript.

مثل الكثير من أبناء الجزائر، ولد ياسين براهيمي في فرنسا لأبوين جزائريين في العاصمة باريس حيث ستبدأ مسيرته الحقيقية مع اللعبة في سن السابعة بعد أن اكتفى من اللعب في شوارع الضاحية الشرقية للعاصمة. بدأ براهيمي مع أندية محلية صغيرة مثل إي بي أس مونتريول الذي مكث فيه أربعة أعوام متتالية ومنه انتقل إلى فينسينو الذي تخرج منه بلايز ماتودي، قبل أن يتحول إلى أكاديمية كليرفونتين الشهيرة وهي المحطة الأهم بالنسبة له كطفل ليصقل مهاراته وليتطور كذلك.

كليرفونتيون واحدة من ضمن 12 أكاديمية لصفوة اللاعبين في فرنسا وتعد من أهم الأكاديميات في أوروبا، كما ساعدت فرنسا طيلة السنوات الماضية في تطوير مواهب عديدة ساعد بعضها في فوزهم بكأس العالم 1998 على سبيل المثال لا الحصر. وصل براهيمي هناك وهو في الحادية عشر وتخرج من الأكاديمية في 2006 بعد ثلاثة أعوام من التدريبات المتخصصة تحت إشراف مدربين مؤهلين لهذا العمل بالتحديد، ثم انتقل إلى باريس سان جيرمان ولم يمكث هناك طويلا.

قبل التخرج بعام، كان على المدربين أن يضموا تلك الجوهرة إلى خيرة لاعبي البلاد في منتخب فرنسا للشباب. لعب براهيمي لمنتخب فرنسا في 2005 خلال الفئات العمرية المختلفة حتى عام 2012، وفي 2009 شارك كلاعب أساسي في بطولة أمم أوروبا تحت 19 وسجل هدف الفوز على إسبانيا في نصف النهائي قبل أن يخسروا البطولة على يد الإنجليز.

وعلى الرغم من تألقه مع منتخب تحت 19 عاما خلال 19 مباراة سجل فيها 12 هدفا، لم يلعب براهيمي كثيرا لفريق رين الذي انتقل إليه بعد أن غادر باريس سان جيرمان. نصحه الوالد بالتوجه إلى هناك لكي يستطيع متابعة دراسته، وقد كان.

“تعطيني الأكاديمية في رين اهتماما كبيرا بدراستي جنبا إلى جنب مع ممارسة كرة القدم، لذلك ذهبت إلى هناك بتوصية من والدي. بهذه الطريقة فقط كان بإمكاني لعب كرة القدم ومتابعة تحضيراتي للبكالريوس.”

لكن أوقاته في البداية لم تكن كلها سعيدة واضطر أحيانا للعب مع فريق الرديف، ثم إعارة مدتها عام إلى أكاديميته السابقة كليرفونتين قبل أن يعود أخيرا للفريق الأول في رين…  حتى أنقذه النداء القادم من إسبانيا. طلب نادي جرانادا استعارة هذا الشاب في 2012 فلم يعترض فريقه الفرنسي، ثم قرر الإسبان أن يتبنوا تلك الجوهرة فكان البيع النهائي من ستاد دي رين.

ما فعله ياسين براهيمي في الدوري الإسباني يتذكره مشجعي الفريق الأندلسي إلى اليوم، كشف براهيمي لدراويش جرانادا عن ألعاب سحرية لم يظهرها من قبل في فرنسا. قبل سنوات طويلة شهد الإسبان على جوهرة سمراء حقيقية ظهرت في كازابلانكا واسمها العربي بن مبارك ونستطيع أن نقول أن ما قدمه ياسين براهيمي خلال عامين فقط ذكرهم بذلك العربي الذي تألق مع أتليتكو مدريد.

abc454602daea3c6f31a212ae1a1f959.gif

نجح براهيمي في مهمته الأساسية وهي إبعاد الفريق عن الهبوط إلى الدرجة الثانية، لكنه استطاع أن يخرج بانتصارات شخصية مهمة مثل تفوقه في عدد المراوغات الناجحة خلال الموسم الثاني متخطيا رونالدو وميسي. فاز ياسين بجائزتي أفضل مراوغ وأفضل لاعب إفريقي في الدوري الإسباني من رابطة الدوري. عامان ناجحان كانا كفيلين بأن يجعلا أندية أوروبا تتنافس للحصول على خدماته، لكن بورتو كان الفائز… ستة ملايين ونصف المليون يورو كان هو الثمن.

نعلم عن ظهر قلب أن 2014 كان العام الأفضل لياسين براهيمي خلال مسيرته الكروية لعديد من الأسباب: انفجر براهيمي مع جرانادا منذ بداية العام وحتى نهاية الموسم الذي خرج منه بجائزتين شخصيتين، انتقل إلى بورتو، ثم أنهى العام كأفضل لاعب إفريقي من BBC وأفضل لاعب مغاربي من France Football.. لكن الإنجاز الأهم على المستوى الجماعي كان ظهوره مع الجزائر في كأس العالم بالبرازيل.

This slideshow requires JavaScript.

خلال فترة إعارته وقبل أن يقرر جرانادا عدم السماح له بالعودة إلى رين مجددا، قرر براهيمي أن يخلع القميص الأزرق ويلعب لمنتخب بلاده الأصلية. كانت الأعين تتابعه في الجزائر منذ كان صغيرا وفي 2010 بالتحديد قدموا له عرضا بأن يلعب مع الخضر في كأس العالم لكنه فضل الاستمرار مع منتخب فرنسا. لكنه جاء في بداية 2013 بالرد الأخير. ياسين براهيمي سيلعب الآن لمنتخب بلاده التي لم يرها من قبل وسيكون عند حسن ظنها. ويبدو أنه كان فألا حسنا فلم تخسر الجزائر أي مباراة اشترك فيها ياسين حتى تأهل المنتخب إلى نهائيات كأس العالم 2014.

ارتدى ياسين قميص الجزائر للمرة الأولى في حياته أمام منتخب بنين خلال تصفيات كأس العالم. لعب ست مباريات قدم خلالها لمحة عما يمكن أن يفعله حينما ينسجم أكثر، فقد فشل في التسجيل خلال تلك المباريات وصنع هدفا وحيدا. كوّنت الجزائر جيلا هو الأخطر داخل القارة الإفريقية:  براهيمي جنبا إلى جنب مع سفيان فيغولي، إسلام سليماني، عبدالمؤمن جابو، سفير تايدر، نبيل بن طالب وغيرهم نجحوا في إثبات ذلك بوضوح من خلال عروض لن نستطيع أن ننساها في كأس العالم وما تلاه من مباريات.

جناح سريع ومهاري ليس لديه مشاكل في استخدام أي قدم ويؤدي بكفاءة عالية على الجانب الأيسر وفي قلب الملعب موفرا أكثر من حل تكتيكي لمدربيه منذ كان صغيرا، كما أنه ترد التدرج المنطقي والاحترافي لأي موهبة شابة… كانت الجزائر في حاجة لمثل هذه الجودة لتضيفها إلى ما يتوفر لها بالفعل تحت قيادة المدرب فاهيد هاليلوزيتش في الظهور الأهم على المستوى الدولي، كأس العالم. لا يوجد مثال عملي على ذلك أكثر من الهدف الأول له مع الجزائر والذي أظهر انسجاما مخيفا مع سفيان فيغولي، لقد سجل براهيمي للمرة الأولى مع منتخب بلاده وفي كأس العالم. بداية موفقة!

في المباراة التالية صنع هدفا أمام روسيا وتأهلت الجزائر لتلاقي ما سيصبح بطل تلك النسخة، منتخب ألمانيا. انتهت رحلة ثعالب الصحراء في البرازيل بعد هذه المباراة بعد أن جذبت انتباه الجميع بأداء شرف الكرة الجزائرية حقا، أما بالنسبة لياسين براهيمي فقد جذب انتباه أندية أوروبا هو الآخر وارتبط اسمه بأكثر من نادٍ مع بداية فترة الانتقالات الصيفية… ذهب إلى بورتو البرتغالي في صيف 2014 ليستكمل عامه الرائع.

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، تعرف ملعب دراجاو على جزائري آخر وهو رابح ماجر الذي سجل واحدا من الأهداف الأيقونية في تاريخ دوري أبطال أوروبا أمام بايرن ميونيخ في نهائي نسخة 1987 التاريخية. جلب ماجر لبورتو أول بطولة أوروبية في تاريخه فقط بالقميص رقم 8 وقدم سحرية.

MMD_284587_gif_tu_lo_harias_en_una_final_de_champions_pues_rabah_madjer_lo_hizo_en_la_final_de_1987.gif

كان براهيمي يعي ذلك جيدا بكل تأكيد فطلب ارتداء القميص رقم 8 بدون تفكير وقد منحه النادي ما أراد، مثل هذه الأمور تعطي دعما معنويا لا بأس به للاعبين في مثل هذه المواقف. في المقابل، استدعى ياسين كل مراحل تطوره خلال موسمه الأول في البرتغال ليذكر المشجعين بأيام ماجر الأولى. يكفي أن نقول أنه سجل 6 أهداف وصنع 4 آخرين في دوري أبطال أوروبا.. منها أول هاتريك للاعب عربي في البطولة أمام باتي بوريسوف. لم تكن بدايته قوية خلال الموسم الحالي، لكنه عاد وساهم في خمسة أهداف خلال تسع مباريات في الدوري فقط.

اليوم، وصل براهيمي إلى 100 مباراة رسمية منذ أن وصل إلى بورتو ساهم فيها بالكثير فسجل 26 هدفا وصنع 22 هدفا. ربما لم يتوج بأي بطولة حتى الآن، لكن تطوره عبر السنوات الطويلة أدى إلى وصوله لمكانة عالية وضاعف قيمته التسويقية، وقد نراه في الدوري الإنجليزي بقميص إيفرتون الذي يطارده منذ فترة ليست بقليلة بمقابل مادي لن يقل في جميع الأحوال عن 35 مليون جنيها إسترليني. كما أنه لعب على المستوى الدولي لمنتخب الجزائر بعد نجاحات لا يمكن إغفالها مع منتخبات فرنسا المختلفة للشباب وننتظر ظهوره في يناير القادم مع الخضر في أمم إفريقيا 2017.

رحلة ياسين مع كرة القدم التي بدأت في 1997 نستطيع أن نقول بأنها مثالية لأي طفل صغير يمتلك الموهبة: من شوارع الضاحية الشرقية في باريس إلى بورتو مرورا بأكاديمية كليرفونتين، ربما يكون براهيمي هو النموذج الأمثل لتطور أي لاعب عربي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s